محمد جمال الدين القاسمي

398

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أكابرهم ، وجاءوا إلى أطراف المدينة في غزوة السّويق ، ولم ينل ما في نفسه ، أخذ يؤلّب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى المسلمين ، ويجمع الجموع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش . وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا ليحاموا عنهن . ثم أقبل بهم نحو المدينة ، فنزل قريبا من جبل أحد ، واستشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه : أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة ، وأن يتحصنوا بها ، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه على هذا الرأي عبد اللّه بن أبيّ ، وكان هو الرأي . فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر ، وأشاروا عليه بالخروج ، وألحوا عليه في ذلك ، فنهض ودخل بيته ، ولبس لأمته ، وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك الملحّين ، وقالوا : أكرهنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الخروج . فقالوا : يا رسول اللّه إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما ينبغي لنبيّ ، إذا لبس لأمته ، أن يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبين عدوّه . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ألف من أصحابه ، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة ببقية المسلمين في المدينة ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى رؤيا وهو بالمدينة : رأى أن في سيفه ثلمة ، ورأى أن بقرا تذبح ، وأنه أدخل يده في درع حصينة . فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته ، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون . وتأول الدرع بالمدينة . فخرج يوم الجمعة ! فلما صار بالشّوط ، بين المدينة وأحد ، انخزل عنه عبد اللّه بن أبيّ في ثلث الناس ، مغاضبا لمخالفة رأيه في المقام . فتبعهم عبد اللّه بن عمرو ، والد جابر ، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول : تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه ، أو ادفعوا . قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع . فرجع عنهم وسبّهم ، وسأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى ، وسلك حرّة بني حارثة ، ومر بين الحوائط ، وأبو خيثمة من بني حارثة يدل به ، حتى نزل الشعب من أحد مستندا إلى الجبل ، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم ، فلما أصبح يوم السبت تعبّى للقتال وهو في سبعمائة . فيهم خمسون فارسا وخمسون راميا وأمّر على الرماة عبد اللّه بن جبير . وأمره وأصحابه أن يلزموا مراكزهم ، وألا يفارقوه ولو رأوا الطير تخطف العسكر . وكانوا خلف الجيش . وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم . وظاهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين درعين يومئذ ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وجعل على إحدى المجنّبتين الزبير بن العوام ، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو . واستعرض الشباب يومئذ . فردّ من استصغره عن القتال . منهم عبد اللّه بن عمر وأسامة بن زيد وأسيد